ابن كثير
109
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » أو كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تسليما ، فقالوا : يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق منا بلادا ولا أقل مالا ، ولا أشد عيشا منا ، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به ، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا وليفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخا صدوقا ، فنسألهم عما تقول حق هو أم باطل ؟ فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند اللّه ، وأنه بعثك رسولا كما تقول . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما بهذا بعثت ، إنما جئتكم من عند اللّه بما بعثني به ، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » قالوا : فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك ، فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وتسأله فيجعل لك جنات وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ، ويغنيك بها عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن اللّه بعثني بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » قالوا : فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ذلك ، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ذلك إلى اللّه ، إن شاء فعل بكم ذلك » فقالوا : يا محمد أما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب ، فيقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به ، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به ، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن ، وإنا واللّه لا نؤمن بالرحمن أبدا ، فقد أعذرنا إليك يا محمد ، أما واللّه لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلك أو تهلكنا ، وقال قائلهم : نحن نعبد الملائكة وهي بنات اللّه . وقال قائلهم : لن نؤمن لك حتى تأتي باللّه والملائكة قبيلا . فلما قالوا ذلك ، قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنهم ، وقام معه عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم ، وهو ابن عمته عاتكة ابنة عبد المطلب ، فقال : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من اللّه فلم تفعل ذلك ، ثم سألوك أن تعجل لهم ما تخوفهم به من عذاب ، فو اللّه لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بصحيفة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول ، وأيم اللّه لو فعلت بذلك لظننت أني لا أصدقك ، ثم انصرف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وانصرف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته مما كان